2‏/6‏/2016

حبل مشنقة مزارع القنب الهندي

حبل مشنقة مزارع القنب الهندي

بقلم المودن أحمد 

لم يكن العياشي يتوقع و هو يفتل حبل مشنقته أن ينتهي به المطاف هنا تحت شجرة زيتون وسط حقل يشبه حقله...
العياشي فلاح بدوي في اﻷربعين من عمره...متزوج و له خمسة أطفال...منهم من يتابع دراسته و منهم من انقطع عنها...
كان يعتمد الى عهد قريب على فلاحته المعاشية...يزرع القمح و الشعير ويربي الماشية...وقد كان سعيدا بحاله هذا رغم الفقر...
ولما هبت رياح القنب الهندي على دواره كما هو حال أغلب دواوير بني زروال، غير العياشي فلاحته واكتفى بزراعة القنب الهندي فقط...
كانت السنوات اﻷولى تبشر بغنى قريب...فجمع العياشي مالا بنى به منزلا...و اقترض من جيرانه و إخوانه ما يكفيه لإصلاحه...
من يومها اختل ميزانه، فأصبح في كل مرة يبيع فيها محصوله من " الحشيش " يخصص جزءا منه لأداء ما بذمته من دين.
مع مرور السنين أغلقت اﻷبواب في وجه تجار المخدرات الكبار  فانعكس ذلك سلبا على المزارعين الصغار، ليجد أفضلهم حالا نفسه لا يجد ما ينفقه خلال " عنق العام " ...
لم يكن العياشي ليخرج من هذه الدائرة، فقد ضاقت به اﻷحوال و بقيت سلعته راكدة لا أحد يسأل عنها، و هو الذى أنفق كل ما يملك خلال موسم الحرث و جمع المحصول واستخرج الحشيش من الكيف...
جاء يوم السوق فلم يجد ما يؤدي به مشترياته سوى وعودا كان يعطيها للباعة بأداء دينه بمجرد بيع " السلعة " ...و السلعة عند أهل الحرفة أشكال و أنواع، فمنها " الأولى" و "و التانية"  الزيرو....الضرسة...الطومبو اﻷول..."
كان العياشي يبدي افتخاره أمام التجار، بالسوق اﻷسبوعي، بأنه يملك ثلاث كيلوغرامات من الحشيش الممتاز و أن مصاريف كيفه من نوع "خردالة" قد أتت على ما كان يدخر...و يعدهم بسداد دينه مباشرة بعد بيع الحشيش...
لم يعد سماسرة و تجار المخدرات يزورون الدوار، و إن زاروه
يعطون ثمنا بخصا جدا...
كثرت شكاوي الفلاحين، فما عاد أحدهم يقرض اﻵخر...وهنا قرر العياشي أن يحمل حشيشه في سيارة من دون أوراق كان قد أعطاه إياها أحد تجار المخدرات مقابل كيلوغرامين من " السلعة" في السنة الماضية...
اتجه إلى كتامة، و طاف دواويرها باحثا عمن يشتري منه حشيشه...كانت السومة أضعف مما كان يتوقع، فاكتفى ببيع نصف كيلوغرام فقط كي لا يعود عند أبنائه خاوي الوفاض، في حين احتفظ بالباقي ليعود إلى الدوار حزينا مهموما...
في طريق عودته فوجئ بسيارة خفيفة متوقفة عند مدخل الدوار... وما أن اقترب منها حتى خرج منها دركيان ليعترضا سبيله...طلبا منه أوراق السيارة فأجابهم : " راها غ حراكية الشاف " .
فتشا سيارته ليعثرا على الحشيش المخبئة بإتقان تحت المقعد...ألقوا القبض عليه...و حملوه معهم صحبة الحشيش و انطلقوا عائدين إلى مخفرهم...
و في الطريق صادفوا سيارة رباعية الدفع لتاجر مخدرات معروف...حاولوا إيقافه، لكنه لم يعرهم اهتماما...فبدأت المطاردة في طريق محفرة...لكن دون جدوى...
عند مدخل المركز الحضري استوقف الدركيان سيارتهما...لتبدأ المساومة...أخبرا المقبوض عليه أنه متهم بالمتاجرة بالمخدرات و سياقة سيارة من دون وثائق...
فطن العياشي لما يهدفان إليه، فأخبرهم أنه لا يملك سوى ما عثروا عليه بجيبه من مال...وهنا قاطعه أحد الدركيين قائلا:
" لب المشكلة أننا فقدنا حشيشك خلال المطاردة...لذا سنقدمك بتهمة سياقة سيارة من دون وثائق فقط ...استعطفهما بعد ما مدهما بما كان يملك من نقود ليتم إطلاق سراحه...ثم ركبا سيارتهما و انصرفا...
أحس العياشي ب " الحكرة و الشمتة " فقصد دومة كبيرة، نزع منها ما يكفيه لفتل حبل ثم سار وسط حقل به أعشاب يابسة و أشجار زيتون...
أثارت انتباهه علبة سجائر فارغة كتب عليها " التدخين يقتل "


تسائل مع نفسه:  " إذا كان التدخين يقتل، فلماذا يسمحون ببيعه؟...و إذا كان الحشيش يقتل هو اﻵخر فلماذا لا يسمحون ببيعه مادام القتل مباحا بالتدخين!؟؟؟؟
تناسلت اﻷسئلة برأسه...ماذا سيقول لزوجته و أولاده؟...ماذا سيقول للذين أقرضوه مالا؟...و التجار !؟...وصاحب الدكان؟!!!
اسودت الدنيا في عينيه فلجأ إلى زيتونة و أوثق الحبل حول غصن عال ثم...
البقية في سطرين قريبا جدا إنشاء الله ...مع تحيات المودن أحمد. 

       
                                                                     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يمكنكم التعليق باسم " مجهول - anonyme "