19‏/9‏/2017

نوادر الدخول المدرسي

المعلمة النحيفة

قصة قصيرة بقلم المودن أحمد .

"شريفة شابة محظوظة "...
كان هذا تعليق زوجتي " بديعة " على نجاح بنت جيراننا و هي تمني النفس بأن يكون لبناتنا نفس الحظ...
شريفة، تلك الشابة النحيفة ، وفقها الله في ولوج التعليم كمتعاقدة اختارت إقليم تاونات لتمارس مهامها هناك رغم أنها مزدادة بفاس وبها تسكن...
كانت فرحتنا وفرحة أهلها كبيرة فهي ستصبح " موظفة " رغم أنها لم تنهي دراستها الجامعية وهذا فيه نوع من التشجيع واﻹغراء لبناتنا...وكذا سنرتاح من صراخها وعصبيتها مع أفراد أسرتها لمدة عامين قابلة للتمديد والتجديد...
غابت عنا شريفة و قصدت إحدي القرى بتاونات...لكنها بعد مدة قصيرة عادت بوجه شاحب و عينين عليهما آثار بكاء حديث
...
عادت شريفة إلى فاس في وقت كنا بحاجة لمن يجيب عن سؤال حيرنا...
فقد قيل لنا أن " الدولة " ستعطي محفظات بها كل الكتب والدفاتر اللازمة لتلاميذ المستوى اﻷول، لكن مفاجئتنا كانت كبيرة حينما بدأت بنتي تأتيني كل يوم بورقة تدون عليها المعلمة إسم كتاب أو أداة من اﻷدوات المدرسية الناقصة...
اشترينا كل شيء دون تردد...لكن المفاجئات ستتوالى...
عادت بنتي حزينة وقالت أن المعلمة طلبت منها شراء كتاب غير هذا الذي اشتريناه...
كان المطلوب هو " كراسة الكتابة " كتابي " المستوى اﻷول...
والذي اقتنيناه هو " كراسة الكتابة المستوى اﻷول"
المشكلة إذن هي غياب كلمة " كتابي" !!!!
طفت على مجموعة من المكتبات دون جدوى ...الكل يمدني بنفس الكتاب الذي سبق أن اقتنيته!!!
عدت عند البائع اﻷول، أعدت له كتابه فرد لي نقودي...اشتريت بها على الفور كيلوغرامين تفاح و عنب و بقي بجيبي "الصرف".
عادت جارتنا شريفة فقررت طلب رأيها في النازلة، خاصة و أنها تُدَرِّسُ نفس المستوى، فأقسمَتْ بأغلظ اﻷيمان أنها لا تحفظ أسماء الكتب المقررة...و أنها حزينة جدا لأنها عُيِّنت بفرعية لا ماء فيها... و أن الناس يسقون الماء بالحمير، و أنها ستسكن ببيت من الطين...وأن حالة اﻷطفال تدعو للشفقة...ملابسهم وسخة وأرجلهم مغبرة... ووو...
نسيتُ هَمَّ الكتاب وسألتها عن نظرة الناس إليها، فابتسمَتْ وهي تحكي لي نادرة من نوادر الدوار:
فقد جاء ر جل بابنه للقسم، ولما دخل طاف ببصره في كل اتجاه ثم خرج...
قصد قسما آخر وسأل عن المعلمة شريفة فقالت له معلمة أخرى أن شريفة بقسمها...
عاد من جديد فوجدها قد لبست وزرتها البيضاء...فقال لها معتذرا :
" اسمحلي أبنتي والله معرفتك حسابلي حتى نتيا تلميذة "...
انتهى التفاح والعنب الذي اشتريته، و ضاع ثمن الكتاب في حين أن معلمة بنتي لم تجد حلا بعد...أما شريفة فقصدت مدينة صفرو لاستكمال تكوينها ...وطيلة هذه المدة سيبقى أبناء البادية بتاونات من دون معلم وسيغتنم أهلهم الفرصة ليستفيدوا من تجربتهم في سقي الماء بالحمير، مع استمتاع هؤلاء الأطفال بهواية ركوب هذه الدواب في انتظار عودة المعلمة " شريفة "...
وهذا هو المعنى الحقيقي للدخول المدرسي " الناجح "...


                               

26‏/8‏/2017

مغامرات المفتش التجاني - 6 -

المفتش التجاني بدار بوغابة

بقلم المودن أحمد



- مال هاد الفروج رجلو مشقوقين أعبسلام ؟ واش كان كيدراب المقدار؟"
يضحك الجميع على دعابة عبد الواحد، الذي يسخر من الديك الذي اشتراه عمر من أمه ليكون مشروع وجبة الغذاء التي يفضل بعض رواد جبل ودكة تناولها تحت ضلال اﻷشجار غير بعيد من ملعب كرة القدم بالمشاع...
الناس هنا يميلون للدعابة و الفكاهة و السخرية إلى درجة تجعلك تعتقد أنهم لا هم لهم و لا مشاكل...
أحدهم ينادي على شخص يعرفه :
- الحساين ... وااااا الحساين ....
ينظر كل الحاضرين ، الذين تجاوز عددهم المائة، إلى المنادي القابع فوق صخرة...في حين يستمر اﻷخير في ندائه :
- وا السي الحساين...هل حقا أن أهل دواركم طاردوا طائر " سقساقة " اعتقادا منهم أنها تملك منقارا من ذهب ؟
ينفجر الحضور ضحكا ....
يغضب الحساين الذي قدم من حومة الريف فيرد على الفور على عبد الحي الذي انتقل إلى "دار بوغابة " فقط من أجل الدعابة ولعب الورق :
- احنا ملي كنسمعو الليرة بالمدادنة كنعرفو الكرموص نكّرات...
يضحك أهل حومة الريف، فيكون ذلك بمثابة انطلاق مهرجان الدعابة و السخرية و المرح...
يأخذ التجاني مكانا غير بعيد عن القوم حتى يتمكن من تسجيل الطرائف و المستملحات...
فجأة تتحول اﻷنظار نحو سيارة مرقمة بميم أحمر...
يقول أحدهم لصاحبه والخوف باد على محياه :
- إنه القائد ...إنه القائد ...لست أدري سبب مجيئه...انظر إلى القوم كيف بدأوا يقصدون الغابة وكأنهم يريدون قضاء حاجاتهم دفعة واحدة!!!
---------------------
-  سقساقة : طائر أسود اللون ذو منقار أصفر.
- نكّرات : بدأت تنضج


                               

مغامرات المفتش التجاني -5

خطبة الوزارة بمسجد الدوار.

بقلم المودن أحمد

فقيهنا اليوم ليس بأفضل حال، يبدو مضطربا منذ صعد فوق المنبر ...
وما تبقى له من صبر سييقضي عليه "الطويل "...هذا الشاب الذي لم يحلو له ضبط صوت مكبر الصوت إلا حينما صعد اﻹمام فوق المنبر...
اختلطت اﻷصوات بمكبر الصوت ثم أصدر ضجيجا عبارة عن صفير ...سيووووو....سيييييوووووو
طال انتظار الخطيب لكن العطب لم يتم إصلاحه، فغضب الفقيه وحكم ببطلان صلاة " الطويل " نتيجة لغوه...
كانت صدمة "الطويل " كبيرة أمام هذا الحكم العلني القاسي وهو الذي حاول فقط ايصال صوت الخطيب لمسجد النساء...
"مدير خير ميطرا باس " قد يكون هذا ما دار بخلد "الطويل " وهو يستوي بمكانه ليتابع الخطبة رغم أنه لن ينال نصيبها مصداقا لفتوى الفقيه...
نظر الخطيب إلى سكان الدوار كأنه يكتشفهم لأول مرة، وهو الذي اعتاد على الصلاة بعشرة أفراد على أكثر تقدير خلال الصلوات الخمس...ثم حمد الله و شكره وصلى على النبي المصطفى لينتقل بعينيه إلى الورقة...
لأول مرة لاحظ التجاني اضطرابا واضحا على محيا الخطيب بل وأخطاء لغوية و إملائية جعلت العرق يتصبب على جبين فقيه الدوار...يقرأ دون شرح ولا تفسير كما كانت عادته من قبل، بل و يبحث عن مكان توقفه إن كتب له أن يرفع رأسه...ويتلعثم و هو يخطأ في شكل الكلمات التي كان محورها "الوالي والولاية و البيعة..."...
رفع رأسه مرة فلاحظ أن أغلب الناس يغطون في نوم عميق، فضرب بعصاه على المنبر حتى كاد التجاني أن يبطل وضوءه...
في حين استفاق من لم يكن نومه عميقا...واستمر المنهوكة أجسادهم ب"تمرة" في سباتهم...
الغريب في اﻷمر أنهم يستفيقون جميعا عند دعاء الخطيب فيرددون " آمين " في موضعها و غير موضعها...بل قد يرددونها في بداية الدعاء...


تساءل التجاني مع نفسه :" لو أن هذا الخطيب دعا على هؤلاء بالسخط لقالوا " آمين " ...هذا أمر مؤكد..."
انتهت الخطبة و أقيمت الصلاة و في ركعتها اﻷخيرة وسوس الشيطان في أذن التجاني :" هل استنجيت بعد خروجك من خلوتك بالكيف أم اكتفيت بمسح مؤخرتك بأوراق الكيف؟! "

                               

23‏/8‏/2017

رثاء بني زروال

 بقلم المودن أحمد

نحن ورثة الجد زروال المدونة أسماءنا في سجل المحن ...
نعلن أننا نقتل اﻷصيل منا وبقاياه ندفن...
ورثنا " العكس " والحسد و " التخلويض" و الفتن...
الغني منا يخفي أملاكه خوفا من تقلبات الزمن...
والفقيرفينا يتباهى ويظهر " زلطه " للعلن...
نحن وارثوا الجد زروال، أحرارمسجونون بجبال الوطن...
نسمن غنمنا ونذبحه قربانا لخدام المخزن...
نحن نمقت الرشوة، ونرشي الحاكم ليدوس على أخينا ويسجن...
نحن أهل الدار بتنا ضيوفا، نلتحف أوراق الكيف ونفترش التبن...
نتصارع في حضرة الحاكم، ونذم بعضنا البعض ونلعن...
عسى أن يرضى سعادته عنا فيرمي لنا عظما أو بقايا لحم نتن...
نعده وعد الحر أن نأتيه بأخبار بعضنا و" نتشيطن"...
رضاه مبلغ علمنا، و نقده فتن...
فاللهم اجعل حاكم قريتنا يرضى عنا وأبعد عنه الفتن...
وأطلق سراح أهلنا يا رحمان...
فقريتنا أصبحت قبورا لأحياء بلا كفن...
اللهم لا تجعل شمسك تغرب عنا أبدا...
فبيوتنا يهجرها الكهرباء، إذا الليل سكن...
قهرنا العطش وكرهنا نحن وحميرنا سدود الوطن...
فاسقنا اللهم شتاء وصيفا، كي يسقي أهل السهول سهولهم...
ويشرب قاطنوا الحواضر والمدن...
أما نحن أهل الجبال بتاونات...
فحمدا لله على نعمة التين و الزيتون...
وسلامة البدن...