13‏/1‏/2018

أسئلة من عهد السبعينات " المسمن "

قصة قصيرة

بقلم المودن أحمد من تاونات

لم يكن يهمه حاله وهو يسير وسط إخوانه وأخواته من دون سروال...كانت مؤخرته تجمع بقايا تراب و تبن...
لم يكن قد تجاوز الرابعة من عمره بعد...بل حتى إخوانه منهم من كان يلبس سروالا ومنهم من لا يلبسه ، بل ومنهم من اكتفى بجلباب يستر به عورته...
بقي اﻷطفال لوحدهم بالمنزل...فقد هربت اﻷم عند أهلها بدوار بعيد بعدما هشم أبوهم أضلاعها، فاغتنمت غياب الزوج القاسي وحملت ابنها الرضيع ثم هربت...
نساء الدوار جميعهن يهربن عند أهلهن إذا بالغ الأزواج في ضربهن...لكن احميذو الصغير يؤلمه ما تقاسيه أمه...بل وأقسم ألا يلبس سرواله الذي أفرغ فيه محتوى أمعائه دون وعي منه...
كانت الكلبة تشم السروال من حين لآخر وكأنها تساومه...
في الليل جمع اﻷب اﻷطفال حول " ديابة بيصارة " سوداء...وخبز شعير يابس دفأه فوق " الكانون "...
وفي الصباح خرج اﻷب باكرا ...لكنه لم يعد لوحده...فقد كانت برفقته زوجة الفقيه الذي يحكي الناس أنه يقضي أغلب أيام السنة مهاجرا ببلاد بعيدة...
كانت المرأة لطيفة مع اﻷطفال...بل وهيأت لهم فطورا رائعا ...إنه " المسمن " اﻷكلة التي لا يراها احميذو وإخوانه سوى صباح اﻷعياد...تغيب المرأة من حين لآخر ثم تعود...في حين حكم اﻷب على اﻷطفال بلزوم غرفتهم ...
حملت المرأة بضع "مسمنات " وانصرفت...
بعد مرور سنين كثيرة وجد احميذو نفسه يتساءل:
- هل حقا كان تواجد المرأة بمنزلهم من أجل طهي المسمن فقط؟!!!


لقراءة التعاليق حول هذا النص على فايسبوك اضغط: هنا 

جبليون في مواجهة اللصوص بفاس

من مذكرات التجاني

بقلم المودن أحمد

كانت فرحة أسرته كبيرة وفرحته أكبر حينما حصل على شهادة الباكالوريا...
سيلتحق إذن بالجامعة حيث يتواجد أبناء مدشره خاصة الحشادي و التليدي...ليصبح التجاني طالبا جامعيا !!!
مر الصيف سريعا و جاء شهر شتنبر...اختار الأب " خلوقا " ليصاحب التجاني الى مدينة فاس قصد التسجيل بالجامعة و كذا بالحي الجامعي...و لكن قبل ذلك عليه أن يوصله إلى ظهر المهراز حيث تقطن إحدى بنات عمه صحبة زوجها ب "ديور العسكر"، و ذلك في انتظار الحصول على سرير بإحدى غرف الحي الجامعي...
"خلوق" سبق له أن زار مدينة فاس مرات و مرات، بل سبق له أن عمل بمدينة الحاجب عندما هرب من المنزل ذات يوم، كما أنه يميل إلى الافتخار بنفسه ، و هذا ما يجعله يشتري اللباس الجديد، عكس التجاني الذي لم يجد اللباس المناسب لسفره، فلجأ لأخيه المجاهد ليعطيه "جاكيطة " تتشابه في اللون و الحجم مع " جاكيطة خلوق" ...
وصلت الحافلة إلى " بوجلود " بعد أربع ساعات من السير... نزل التجاني و خلوق ليقرر الأخير عدم الركوب في سيارة أجرة صغيرة بدعوى معرفته الجيدة للطريق الرابطة بين بوجلود و ظهر المهراز...و هكذا سار الإثنان على الأقدام...و ما أن توغلا بين أسوار عالية عرف فيما بعد أنها أسوار حديقة جنان السبيل، حتى اعترض سبيلهما ثلاثة لصوص...كان خلوق يضع " جاكيطته " على كتفه و كذلك كان يفعل التجاني بسبب الحرارة المفرطة...
طلب اللصوص من خلوق مدهم بسيجارة فأجاب خلوق بشجاعة :
- "مالي أنا صاكة ..."
ثم أخرج سكينا كان بجيبه يسمونه " بونقشة " ، و قبل أن يفتحه ضربه أحد اللصوص ليده حتى طار السكين بعيدا ...ثم جر أحدهم " جاكيطة " خلوق و هرب بها، في حين جر لص آخر " جاكيطة " التجاني و لكنه لم ينلها بسبب تمسك التجاني بها...و دون تردد هرب الأخير تاركا خلوق كفهد بلا مخالب وسط كلاب وحشية...
كان التجاني يزيد من سرعته كلما سمع كلمة " أوقاف ، أوقاف " ...مر بأزقة ضيقة ، لينتهي به المطاف بمتاجر كثيرة ...الشخص الذي يلاحقه لازال يطالبه بالتوقف، ليركض التجاني أكثر...
المشكلة العويصة أنه لا يعرف أحدا بمدينة فاس، و ليس معه نقود، و لا يعرف عن هذه المدينة سوى الإسم!!!
فجأة سمع صوتا يناديه:
- أوقاف...أوقاف...التجاني...وا التجاني...أوقاف...
ليطمئن قلبه عند سماع إسمه ، و يعرف في آخر المطاف أن الذي كان يركض وراءه طيلة هذا الوقت ما هو سوى خلوق الذي خاف أن يفقد التجاني إلى الأبد ففضل الركض و راءه عوض محاولة استرجاع ما سرق منه...
توقف أخيرا التجاني و قد كاد يفارق الحياة من كثرة الجري و الخوف...و لحسن حظهما أن النقود و الأوراق لم تكن ب " جاكطة خلوق" ...و أن التجاني كان يمسك بقوة على الملف الذي يحتوي على شهادة الباكالوريا و باقي الوثائق الأخرى...
أخبر خلوق التجاني أنهم بمكان يسمى "الملاح"، ليركبوا في سيارة أجرة صغيرة نقلتهم في أمان إلى " ظهر المهراز " .

لقراءة التعاليق حول هذا النص على الفايسبوك اضغط : هنا 

3‏/1‏/2018

الدار ديالي...والغابة دالله.

قصة قصيرة بقلم المودن أحمد من المشاع /ودكة/ تاونات


وضع احميذو الجبلي البردعة والشواري على البغل وتفنن في وضع المحراث الخشبي بعينينة الشواري اليمنى، ثم أزكلو الشندة السكة والبذور بالعينينة اليسرى و ركب على بهيمته وانطلق نحو الحقل...
في طريقه أثار انتباهه سرب من السيارات المرقمة بميم وجيم أحمرين، وشاحنتين تحمل اﻷولى شتائلا ،والثانية عددا كبيرا من العمال...
توقف قليلا ليفاجئه صوت جاره عبد السلام المنبعث من خلف صخرة كبيرة :
- واش عرافتي شكون هادوك أحميذو؟
- أللا أعبسلام معرفتمشاي...
يرد احميذو مدعيا بعض الغباء، مما جعل عبد السلام يضيف بثقة
- هاداك راه المخزن جا يغرس اﻷرض ديالو ...
بعد دقائق انتشر العمال في الحقول يحفرون ويغرسون أشجار البلوط والتايدا ويقطعون أشجار الزيتون...
تجمع الناس حولهم يراقبون ويتأسفون خاصة حينما أحاط العمال بمنزل بني فوق أرض كانت إلى عهد قريب غابة كثيفة...
لم يتمالك احميذو نفسه حينما وصلوا إلى حقله فانفجر مخاطبا الحاضرين :
- أعباد الله مالكم ساكتين؟ مكتشوفوهمشاي أيقطعو الزيتون ؟ والدار راها ديالي والغابة دالله.
ليجيبه عبد الرحمان :
- المكسي بحوايج الناس عريان أحميذو...
لكن اﻷخير لم يستسغ هذا الهجوم الذي كان من المفروض القيام به منذ سنوات خلت،فرد قائلا:
- أسيدي إيلا المخزن بغا اﻷرض ديالو...إيوا يعطينا حقنا دالفوسفاط والحوت..و...و....ياك حتى حنا مغاربة...
بعد ثانيتين توصل القائد بمكالمة من المقدم قال فيها:
- راهم نعام أسيدي أيقولوا خصهم حقهم دلانكري والسردين...والغابة راها دالله مشي دالمخزن.

20‏/12‏/2017

بلاد البردعة قبل الحمار

قصة قصيرة بقلم المودن أحمد

بعد أن انتهى العم عبد السلام من جمع وطحن زيتونه قرر زيارة إبنته بمدينة فاس ليمنحها ما تيسر من الزيت والزيتون اﻷسود...
هو لن يسافر لوحده طبعا، فقد " أنزلت له زوجته ارحيمو العار " وطلبت منه أن ترافقه لأنها إشتاقت لابنتها التي " تقطعها من لحمها " كما تدعي...
هذه الزيارة سبقها خبر مزعج استمع له العم عبد السلام في نشرة اﻷخبار المسائية...فقد تقرر تغريم كل من قطع الشارع من مكان غير ممر الراجلين 25 درهما !!!
لم ينم العم عبد السلام ليلتها، فقد كان يفكر في مصيره وهو يطوف بالمدينة باحثا عن ممر الراجلين...
في الصباح لم يخفي قلقه عن زوجته بل أكد لها أن أي خطأ في قطعهما للشارع يعني غرامة 50 درهم لشخصين...
وصل الزائران إلى محطة بوجلود لينبهه ذكاؤه لأخذ طاكسي صغير لتفادي امتحان قطع الشوارع...
سأله السائق عن وجهته فأجاب بثقة :
- عين هارون الشريف...
تسير السيارة مسرعة لتتوقف فجأة قرب مكتب بريد غير بعيد من مدارة بندباب .
يستغرب عبد السلام الذي يعرف وجهته بشكل جيد:
- السي محماذ هذي راها ماشي عين هارون!؟
- عندك الصح الشريف ولكن معندي منين نسلك، الزحام بزاف فالومبوان...الله غالب.
يجيب السائق بثقة و حسرة .
نزل الزائران فإذا بهما أمام منظر تقشعر منه اﻷبدان، باعة متجولون فوق الرصيف ووسط المدارة...وراجلون يسيرون وسط الشارع و بين السيارات...ازدحام و سب متبادل بين السائقين والراجلين والباعة ...
تساءل عبد السلام مع نفسه :
هل نحن فعلا في مدينة فاس؟...أين هي ممرات الراجلين التي شاهدناها في اﻷخبار؟...وأين هو الرصيف ؟.
لم يخرجه من دوامة اﻷسئلة سوى سؤال ارحيمو:
- معرافت مالهم مقلوناش خلصو خمسميا دريال وخا مشينا فالوسط دالشانطي ؟
فأجابها بحسرة:
-هاذو خاص لباباهم شي 25 عام دالحبس بيثوني بلا نعاس...هاد البلاد عندنا أيشريو فيها البرداع قبل الحمار...