16‏/11‏/2017

الزلط حكمة

قصة قصيرة

بقلم المودن أحمد من ودكة / غفساي / تاونات


جلس احميذو على " بالة " تبن كغيره من أبناء الدوار محتفلا بزفاف أحد الشبان الذين قرروا أخيرا توديع عالم العزوبة...
كان المنظر يوحي بأن شيئا ما تغير في هذا الدوار...أن يجلس الناس على التبن عوض الفراش قد يبدو عاديا لأهل البلدة بعدما تراجعت تجارة " العشبة " إلى أدنى مستوياتها...لكن بالنسبة لحميذو،  الذي تعود على زيارة مسقط رأسه كل صيف، فان الأمر مختلف...
هدوء يعم المكان رغم أن صخب الموسيقى المنبعثة من جهاز الديسكو الذي حل خصيصا من غفساي لتنشيط الحفل...
ليلة مقمرة تشجع على التجوال بعيدا عن دار العرس...اتكأ احميذو على كومة من أعواد الكيف اليابسة وأعطى الفرصة لنفسه ليستمتع من بعيد بمزيج من نباح الكلاب و صخب الموسيقى و نهيق حمار مجاور له...وكل هذا على طبق شاسع لا يرى منه الناظر سوى ما يسمح به ضوء القمر...
- أيَّاه يا ليام !!!
هكذا ردد احميذو وهو يتنفس بعمق متذكرا أيام البساطة في كل شيء ...بساطة اﻷفراح...بساطة اللباس...بساطة الطعام المقدم للضيوف...و ميل الناس إلى الفكاهة والمرح ﻷتفه اﻷسباب...
ثم عرج بمخيلته على السنوات اﻷخيرة حينما كان الرواج وما صاحبه من ارتفاع الدخل الفردي وظهور شباب بهواتف يفوق ثمنها ثمن البغل والثور...وسكارى يرقصون في اﻷعراس، يتمايلون ويتقيؤن فيسقطون على الجالسين...وإن نهضوا عادوا لرقصهم المتمايل حول الراقصة، ينثرون عليها الأوراق النقدية كما ينثر الخليجيون الدولار على معشوقاتهم ... فترى القوم وكأن أهل البادية ما عاد منهم راشد ولا عاقل...تصفيفات شعر تحيلك على منحنيات خطوط التسوية وخرائط الجزر ...وسراويل اجتهد أصحابها في إضافة ثقب ونوافذ للتي كانت موجودة بها أصلا...و كلام فاحش ينفر منه العقلاء...
ثم يعود احميذو إلى الخيمة ليسلط عليها بصره...جو بارد...
وفراشات تحوم حول المصابيح الكئيبة...طاولة عليها ما تبقى من " القراشل و " كاوكاو " وابريقا شاي...الناس ينتظرون نهاية الحفل فقط،، وكأنهم جاؤا لتسجيل حضورهم فقط...لا أثر لقهقهة، ولا رنين لهاتف ذكي...وحده " نوكيا دالبيل " كان السائد ...يستعين الناس به ليتنقلوا من مكان لآخر...ويتبادلون به المكالمات....
مر بقربه رجلان مسنان، فعلق أحدهم :
- ايوا لباس مكاين لا سكايرية لا والو...
فرد عليه اﻵخر:
- الزلط حكمة ل..........

14‏/11‏/2017

نوادر جبلية 2

هل كان أبي حكيم زمانه؟

بقلم المودن أحمد من المشاع / غفساي / تاونات

و أنا ممدد بغابة جبل ودكة في جو رومانسي بديع فوجئت بشخص أعرفه جيدا...وبعد التحية انطلق في الدعاء لأبي والترحم عليه...ثم بدأ يتحث عنه دون أنأطلب ذلك منه:
- أبوك كان حكيما، ولم نعرف قيمة الحاج محمد بلحسينو إلا بعد وفاته...لقد قال لي يوما حكمة تزن ذهبا...نعم قال لي وهو يتأسف على جيل اليوم " هاد الزمان ما دصيب غير اللي كيقول " طاكوك طاكوك " مدصيبشي اللي يقول " باردة باردة " ...
ودعني محدثي وتركني أحلل معنى الحكمة...فرجعت بي الذكرى إلى حياة المرحوم أبي...
يحكي عنه أهل المنطقة أنه كان ذكيا وحكيما يقدم المشورة للسائلين عنها بل وترك درسا يتداوله الناس ويرحمونه عليه...فقد حدث في أواسط التسعينات من القرن الماضي أن قامت السلطة باعتقال مجموعة من أبناء دوار المشاع بسبب زراعتهم للقنب الهندي...وطبعا لم يتردد سكان في تنظيم مسيرة احتجاجية لغفساي...وبعد أن أوصلوا صوتهم للسلطات هناك ظهرت طائفة تطالب بالذهاب إلى عمالة تاونات، وهنا تدخل الرجل الحكيم و قال لهم ما معناه " خليوها فالكبيرة...و يالله نمشيو بحالنا...راه الخبر وصل من تاونات ليهن..."
طبعا لم يهتم بكلامه سوى القليل من الناس، وبعدها قامت القوات المساعدة بالهجوم على السكان بالهراوات فتفرق شملهم في كل اتجاه...فمنهم من تبلل بوادي أولاي ومنهم من وجد نفسه " بشقف صحفة "...
وعند العودة كان الجميع يردد " يا ليتنا اتبعنا نصيحة محمد بلحسينو "
أما أبي رحمه الله فكان يردد حينئذ " اللي متبع رأي كبيرو...فالهم تدبيرو "
فهل كان أبي حكيم زمانه؟
رحم الله آباءنا و أمهاتنا اﻷموات جميعا برحمته الواسعة...و بارك الله في عمر اﻷحياء منهم...
حقا لا نعرف قيمة الشيء إلا بعد فقدانه.

10‏/11‏/2017

أزمة أخلاق أم حرية .

موضوع للنقاش بقلم المودن أحمد

ونحن صغار علمنا آباءنا أن نقبل يد من هو أكبرمنا، و أن نبادر بالسلام ...و أن نقول لرجل يعمل: الله أيعاون أعمي
وإن كان مارا من الطريق ولو لم نكن نعرف إسمه قلنا له : " لعوناك أعمي " بمعنى :أعانك الله يا عم...
نحمل عن المرأة والشيخ ما هو ثقيل ونكتفي بعطائه السخي وهو يردد : "الله يرحم الوالدين " ...كنا نحس حينها وكأننا أسدينا خدمة لوالدينا بأن جلبنا لهم الرحمة...
معلمونا كانوا في مقام آبائنا و ربما أكثر...خوف ممزوج باحترام ...وحب في قلب الطاعة...
تمر اﻷيام و تتعاقب اﻷجيال لنجد أنفسنا محاطين بقوم نحس و نحن معهم أننا غرباء...الصغير منهم يضرب الكبير و يعنفه...الإبن يضرب أباه...مراهقون يعترضون حتى بنات الجيران...وإن كانوا مخدرين سمعت منهم ما يندى له الجبين...جميع مفردات " قلة الحياء " علانية و دون احترام لأب مع أبنائه ولا رجل مع صهره ولا كبير مار بقربه...
أساتذة يهانون بشكل يقشعر له البدن...
ما عاد هناك احترام صغير لكبير ولا شاب لامرأة متزوجة، ولا ....ولا ولا....
فهل هي أزمة أخلاق؟
أم " قلة الترابي "؟
أم أننا لم نعد نصلح لهذا الزمن وعلينا اﻹنسحاب و اﻹكتفاء بالملاحظة والصمت ؟ 


للأطلاع حول اراء القراء حول الموضوع المرجو الضغط: هنا 

دجاجة الأستاذ "القرصي" - غفساي الثمانينيات ( 3 )


بقلم المودن أحمد من المشاع بغفساي / تاونات


وفي الصباح قصد التجاني القسم بعد تناول فطوره بمطعم الداخلية ...فطور تشمئز من قهوته نفوس أبناء الفقراء والأغنياء على حد سواء.
كانت أول حصة عند الأستاذ الملصوحي...أستاذ اللغة العربية الذي جاء إلى القسم سكرانا...اغتنم التجاني الفرصة ليقوم بلقطات بهلوانية ساخرة من الأستاذ الذي شرب حتى ثمل، بل ربما أشرك الليل بالنهار...كانت عيناه ذابلتان و سط جفنين منتفخين ...بل لم يكن يتحكم في الطباشير و هو يحاول أن يكتب تاريخ اليوم على السبورة، و بين الفنة والأخرى يطالب من أحد التلاميذ الانضباط قائلا بصوت ثقيل :

-اجلس مكانك ...يا فتى...
مرت حصص الصباح طويلة، لأن أمعاء التجاني ظلت تستغيث منتظرة وقت الغذاء، ولسوء حظ صاحبنا فقد كان الغذاء مكونا مما لا تشتهي نفسه...اللفت الذي يتناوب مع الجزر في أغلب ما يقدم للتلاميذ من أكل بالداخلية.
وفي المساء كان التجاني وباقي تلاميذ قسمه على موعد مع نادرة من نوادر غفساي...أستاذ الاجتماعيات
"القرصي"ودجاجة أب التلميذ المطرود...فقد هجم الأستاذ القصري على تلامذته منذ اللحظة الأولى قائلا :
- آخر مرة ش واحد يجيب لي باباه عندي للدار، لي بغاني يجي عندي للثانوية.
فقد حدث أن وقعت مشاداة بين الأستاذ القصري و أحد التلاميذ،فطرد الأخير وطلبت منه الادارة إحضار ولي أمره، و حفاظا على كرامة الأستاذ فقد تم اشتراط تنازل الأخيرعن شكايته بعد أن يعتذر له التلميذ وولي أمره...

وفعلا جاء التلميذ بأبيه ولكن الأخير قصد بيت الأستاذ حاملا معه دجاجة...دق الباب ...فتحه السي "القرصي" ...سأل الرجل عن سر الزيارة، فأخبره أنه أب التلميذ المطرود، ثم قدم للأستاذ الدجاجة...استحيا الأستاذ من الأب فطلب منه الدخول... وفعلا دخل، لكن المشكلة أنه لم يخرج...انتظر الأستاذ طويلا إلى أن حل الظلام، فقرر ذبح الدجاجة...بل واشترى قنينتا مشروبات غازية و فواكه، إكراما للضيف...
ولأن الرجل البدوي كان جائعا جدا فقد افترس الدجاجة افتراسا...والتهم الفاكهة، ثم اسمتع بما لذ وطاب من مشروبات...وطبعا ختم كل هذا بطلب إرجاع إبنه المطرود، فكان له ما أراد...لينصرف في الصباح إلى حيث يكتري إبنه غرفة ، ناقلا له الخبر السار.
أفرج الأستاذ
"القرصي" عن ابتسامة عريضة بعد سرد قصته الطريفة الطريفة للتلاميذ وختمها بعبارته الخالدة :
 - آخر مرة ش واحد يجيب لي باباه عندي للدار، لي بغاني يجي عندي للثانوية.