19‏/8‏/2017

مغامرات المفتش التجاني -4

 بقلم المودن أحمد من المشاع/ جماعة ودكة / غفساي

 " عمود الكهرباء "

مظاهر التنمية القروية
يحمل التجاني همه على كتفيه وينطلق...
لقد قرر منذ أن ولج الدوار أن ينسى ذاته و شخصيته ويعيش بعقل وقلب التجاني، بل و " بتحرمياته" كذلك...
الساعة تشير إلى الثالثة بعد الزوال...الشمس بكبد السماء تنتظر من يخرج من بيته لتحرقه...
حمل التجاني آلة التصوير ومسجل الصوت وخرج يبحث بالدوار عن صيد يضيفه لرصيده الأثري...
على طول الطريق التي قطعها قاصدا مكانا اعتاد أبناء الدوار و الدواوير المجاورة اﻹجتماع فيه، كان يعيش طفولته من جديد....
يقشر "الهندية "بعد قطعها بيديه مباشرة، ويمد يده للأشجار المتواجدة بجانب الطريق ليقتطف حبات التين الطرية ...
عند منحدر عبارة عن مسلك بين المنازل رأى منظرا أثار انتباهه، إنه يشبه سياسة الدولة إلى حد كبير...عمود كهرباء مال ثم مال ثم سقط...خيوط الكهرباء ممددة على " الزرب " والمصباح زال من مكانه...ابتسم التجاني و هو يتذكر "المصباح " ورمزيته في عرف السياسة...لكنه سرعان ما لعن الشيطان حينما تذكر أنه هنا يتقمص دور التجاني الطفل فقط...
نظر يمينا ويسارا فلم يظهر له أثر لبشر أو حيوان ...أخرج آلة تصويره ثم وثق الصورة عازما إضافتها لمتحفه اﻷثري...
لكن المفاجئة كانت أكبر...
صوت شاب يخاطبه من وراء " زرب ":
- والله وإن بقيت العمر كله تصور، فلا شيء سيتغير في هذا الدوار...نحن هنا منسيون...
استغرب التجاني وطاف ببصره يبحث عن صاحب الصوت ومصدره، ليظهر " الحساين " من خلف كومة حطب ولسان حاله يقول " خلف كل مفتش هناك مفتش يقتفي أثره"...

..................
الزرب : سياج عبارة عن كومة من الحطب يضعه السكان على جنبات حقولهم.

                               

14‏/8‏/2017

مغامرات المفتش التجاني - الحلقة 3

بقلم المودن أحمد

                                   الجفاف والخضرة

- الجفاف والخضرة -

الليل بالدوار له طقوس ومظاهر فريدة...أهمها ضوء القمر...و نباح الكلاب بطريقة مخيفة وكأنها ذئاب تعوي...
بمجرد أن وضع التجاني جسده النحيف على فراش سواه على اﻷرض،وأطفأ المصباح، سمع صوتا غريبا يشبه صوت الطائرة عندما تحلق على ارتفاع كبير...ثم تتغير نبرة الصوت ليأخذ شكل زفير الدراجة النارية...
يعلق التجاني مخاطبا أخاه رشيد النائم بجانبه:
- اربي السلامة شنو هاد العجب ؟
- هذا الناموس و شنيولة ديرين اﻹستعراض...فرحانين بك...أدعجبهم اللحم دصحاب المدينة ...
يرد رشيد ممازحا...
رغم حرارة الجو فقد قرر التجاني استعمال غطاء رقيق لتفادي عظات الناموس...ثم يخاطب أخاه:
- و أنت لماذا لا تغطي جسدك ؟!
فيجيبه رشيد بثقة:
- لقد تعودت عليه...لا أهتم به...هذه الليلة سيفرح بك أنت ...ستكون عنده " الزردة ".
مرت تلك الليلة و كأنها شهر بالتمام و الكمال، استيقظ بعدها التجاني حوالي الثانية عشر زوالا...
طلب من مضيفه الماء قصد الوضوء، فأعطاه صاحب الدار سطلا به حوالي نصف لتر واعتذر له عن قلة الماء قائلا :
-رجعنا دقول فالصحرا ...الما بالغرام...غي قبل علينا...البومبة مخدماش، حيت مكيانش الضو...
نظر التجاني إلى محتوى السطل و ابتسم و هو يردد مع نفسه :
- هل سأفرغه بالمرحاض، أم سأستنجي به أم سأتوضأ به؟!!!
نظر يمينا و يسارا ثم قرر اللجوء إلى حقل القنب الهندي المجاور...هنالك ووسط أشجار "خردالة " التي تعدى طولها المترين سيقضي حاجته و سيسمد أرض صاحب الحقل...
ما أجمل الخلوة و سط الكيف...تستعين بشجيراته لإخراج ما استعصى من براز...وتشم رائحة زهرة ذكر الكيف...ثم تبدأ جحافل الذباب في زيارة المكان...
يبتسم التجاني و هو يراقب تصرفات ذبابة زرقاء كبيرة، يسميها أهل البلدة " ذبابة الموت "...فيقول مع نفسه :" ياكما قربثلي الساعة ...أيما الحبيبة
حتى الصبح باقي مصليثوسي".
استعان التجاني بأوراق الكيف في مسح الرواسب...ثم أمعن السمع لصوت فتيات جلسن غير بعيد عنه دون أن ينتبهن لوجوده لكثافة أشجار القنب الهندي المحيطة به...
تقول إحداهن مفتخرة :
- أنا لي أكثر من حبيب و عاشق في هذا الدوار...والله سأجننهم جميعا...
فترد اﻷخرى:
- أنا حبيبي بعث لي تعبئة و قضينا ليلة كاملة نتحدث على الواتساب...
التجاني يسجل ويبتسم...
تذكر حبيبته القديمة بهذا الدوار...سنين من العشق لم يستطع حتى الإعتراف لها بحبه...
يخرج التجاني من خلوته ويخاطب الفتيات الأربع:
- لقد تم تسجيل حواركم بنجاح...
و إلى الحلقة القادمة .

                               

8‏/8‏/2017

مغامرات المفتش التيجاني- الحلقة 2

طريق العذاب

بقلم المودن أحمد

مقطع من الطريق وسط الدوار
الشمس تقترب من مغيبها...التجاني يحاول قتل الملل لدى أمه، فيسألها:
- أتتذكرين أمي شيئا عم ملحمة باب مراكلو التاريخية؟
- نعم لقد كان عمري اثنا عشر سنة و رغم ذلك أتذكر...
تجيبه وهي تخفي ألمها من كثرة الجلوس...
- حدثينا أرجوك عن ذلك أرجوك...
- لا يا ولدي، ليس الان...أنا أخاف من السفر ليلا، يجب أن نصل قبل حلول الظلام...عندما نصل سأحدثك...
- حاضر أمي ....
وصل التجاني و مرافقوه إلى الطريق العابرة لجبل و دكة ، السائق يزداد عصبية يردد دون وعي منه:
- ليت المستعمر لم يرحل عن هذه الأرض...
يسأله التجاني مستغربا:
- ما الذي يجعلك تقول هذا الكلام ؟
- لقد شقوا لنا هاته الطريق جازاهم الله خيرا، و منذ خروجهم و هي على حالها، و لو بقوا في هذا البلد لكانت محطة القطار أيضا بودكة بعدما كانت بالورتزاغ...
يجيب السائق بحزن ، ثم تقاطعه الأم :
- آه ياولدي كم قاسينا مع الفرنسيين...لقد كانوا يدفنون الناس أحياء تحت الثلج...كان الناس يعملون من دون مقابل...عليكم أن تحمدوا الله وتشكروه على نعمة اﻷمن و اﻷمان...
يعم الصمت احتراما لرأي اﻷم...فهذا الكائن سامي في عرف التجاني و أهله...لا صوت يعلو فوق صوته.
غابت الشمس تاركة حمرتها...كحمرة وجنتي بدوية خجولة ...
الظلام ينتصر أخيرا...أضواء السيارة تؤكد ذلك، وحفر الطريق تأخذ لونا أسودا قاتما، بل وأصبحت مصدر قلق للسائق والركاب، خاصة لما ولجت السيارة تلك الطريق البدائية التي تمر وسط الدوار...
كان أنين اﻷم المشلولة ،وهي تقفز من مكانها إلى أن تكاد تلامس سقف السيارة ثم تهبط ، يزيد من حزن التجاني وغضبه...
السائق يدعو على النائب البرلماني الذي وعد الناس علانية بسوق الثلاثاء اﻷسبوعي بطريق في مستوى تطلعاتهم، ومن يومها غاب طيفه عن ودكة وبقي عهده حديث الصغير و الكبير...
يتدخل التجاني محاولا اكتشاف حقائق أخرى :
- ألا تملك الجماعة آلية لملإ الحفر بالرمل أو الفريش ؟
-عن أي جماعة تتحدث؟!
يجيب السائق باستغراب.
- الجماعة القروية التي ينتمي إليها الدوار طبعا.
- هؤلاء لا يتذكروننا إلا في اﻹنتخابات، لقد انتهت صلاحيتنا عندهم...ههههه...يقولون أن الجماعة لا تملك سوى ما تسدد به رواتب موظفيها...الجماعة لا يربطنا بها سوى عقد الإزدياد، تماما كما لا يربطنا بهذا الوطن سوى البطاقة الوطنية...
يتنهد السائق بصعوبة ثم يكمل :
- ألا تشاهد هذا الظلام الدامس بهذا الدوار؟...إنهم على هذا الحال منذ شهور...
يبتسم التجاني ويعقب :
- لولا نباح الكلاب لما عرفت أنني بوسط دوار كان ضوءه أبهى قبل أن يعرف السياسة.

                 ------ وللمغامرات بقية ------



                               

7‏/8‏/2017

مغامرات المفتش التيجاني- الحلقة 1


رحلة العذاب
بقلم المودن أحمد


كانت فرحة التجاني كبيرة حينما توصل بخبر نجاحه في الاختبار الكتابي لمبارة المفتشين...كان ذلك في أواسط التسعينات...و من يومها سكنه الحلم ...حلم ان يصبح مفتشا...و تمر السنين سريعة...
..............
الساعة تشير إلى الثالثة بعد الزوال من يوم حار من أيام يوليوز...سائق السيارة التي تنقل التجاني و أمه قاصدين مسقط الرأس يبدو مهموما...هو يكره السير على الطريق الرابطة بين فاس وبوادي غفساي، ولا يخفي ذلك على من يركب معه...
هذا اليوم قرر تغيير مساره، فبعد عين عائشة انعرج يسارا نحو الورتزاغ، و بعد كيلومترات فضل نهج طريق سيدي المخفي...
تذكر التجاني كيف نصح أخوه "خلوق" السائق بأن ينتهج هذا السبيل عوض المرور على غفساي...و قد قال له بالحرف : " الطريق مزيانة حسن من غفساي " ...
التجاني يقرأ لوحات التشوير "نعتذر عن الازعاج... جماعة تمزكانة...سيدي المخفي ..." ويسأل السائق عن إسم المكان بعدما أثاره بناء فرنسي قديم بقربه قبة خضراء...
يجيب السائق وهو يدندن مع أغنية يصدرها مذياع السيارة:
- هذا سوق خميس سيدي المخفي ...قريبا ستبدأ المعاناة ...
التجاني يكتشف المكان...مسجد و بناء عصري بأسفله صف طويل من الدكاكين و في المقابل سوق فارغ إلا من رحبة مغطاة بالقصدير تذكره برحبة الزرع بسوق أحد بني زروال...


تاه التجاني مع ما سبق أن قرأه حول بطولات أهل المنطقة و دور الزاوية الحمومية ...كان يبحث بين قمم الجبال المحيطة بالمكان و ملامح أناس بسطاء يركبون بغالا و حميرا تحمل قارورات ماء، عن التاريخ الذي قرأه، فاقتنع و هو يرى السائق يراوغ الحفر المتناسلة بالطريق، أنه خارج حدود الزمان و المكان...
لم يُخرِج التجاني من شروده سوى أنين أمه المعاقة بعد مرور السيارة بحفرة لم يجد السائق سبيلا لتفاديها لأنها محاطة بحفر أكبر منها حجما...
فجأة يكسر السائق الصمت :
- انظر إلى ذاك المنحدر...هنالك انقلبت سيارة " بوجمعة " الذي كان ينقل بعض الكائنات اﻹنتخابية...لقد مات منهم من مات وجرح من جرح...
لقد كانوا في طريقهم لمساندة أحد المرشحين...
يقاطعه التجاني:
- وهل تم تعويضهم؟
- هههه...مشات على عينهم عجاجة...
يضحك السائق ساخرا...
وهنا تذكر التجاني حديثه قبل سنة مع أحد الضحايا و يدعى العم عبد المجيد، شيخ كبير من العْزِيَّب...سأله يومئذ بعدما زاره بمنزله عن علاقته بالحزب فرد العم عبد المجيد: " غ كانت فينا ش دعوة عاد خرجت حنا معرفينش حتى السمية دالحزب شنو هي...كانت العزيب غدي يبقاو فيها غ العيالات ..."
اﻷم تئن من جديد و تسأل :
- " واش قربنا أولدي أنوصلوا ؟ "
السائق يرد بطريقته :
- راحنا في أقبح عقبة...الطوموبيل سخنات...
يسأل التجاني عن المكان فيرد السائق نحن نقترب من المقراوي...
حقول خردالة تطل خضراء بسفوح الجبال ...الطريق أصبحت كفسيفساء يجمع الرمل و الإسفلت و الفريش و التراب...الغبار يحجب الرؤيا بالخلف...على جنبات الطريق قنوات ماء يحسبها العطشان بها ماء...تربطها "روكارات" فوقها قطعة تهوية على شكل نصف دائرة أشبه بمنقار مقوس...و على الجانب الأيمنمن الطريق بغل يحمل قارورات ماء فارغة يقوده طفل صغير...البغل يركض هربا من السيارة ...و الطفل يبكي...
ينظر التجاني إلى أعلى...بناء غريب بالقمة...إنه " الشاطو " وبعده يرى مساكن كثيرة يسأل مرافقه عنها فيجيب :
- ذاك دوار السنتية ...والذي بقعر الجبل دوار تاورطة وتلك قمة جبل ودكة...لقد اقتربنا رغم أننا سنلج أقبح طريق على اﻹطلاق...

     ------------------ و للمغامرات بقية ----------------------